ابن أبي مخرمة
171
قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر
كان يحيي نصف الليل ، فسمع رجلا يقول لآخر : هذا أبو حنيفة لا ينام الليل ، فقال : واللّه ؛ لا يتحدث عني بما لم أفعل ، فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعا . رأى في المنام أنه ينبش قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فبعث من سأل ابن سيرين ، فقال : صاحب هذه الرؤيا يبرز علما لم يسبقه إليه أحد . قال الشافعي رحمه اللّه تعالى : من أراد أن يتبحر في العلم . . فهو عيال على أبي حنيفة . وقيل لمالك : هل رأيت أبا حنيفة ؟ قال : نعم ؛ رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا . . لقام بحجته . عرض عليه أمير العراقين يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري قضاء الكوفة أيام مروان بن محمد ، فأبى فضربه مائة سوط وعشرة أسواط كل يوم عشرة أسواط دفعة ، وهو مصر على الامتناع ، فخلى سبيله . نقله أبو جعفر المنصور من الكوفة إلى بغداد على أن يوليه القضاء فأبى ، فحلف عليه ليفعلن ، فحلف أبو حنيفة أنه لا يفعل ، فقال الربيع بن يونس حاجب المنصور : ألا ترى إلى أمير المؤمنين يحلف ؟ ! فقال أبو حنيفة : أمير المؤمنين على كفارة أيمانه أقدر مني على كفارة أيماني ، وأبى أن يلي ، فأمر به إلى الحبس . وقال الربيع : رأيت المنصور يكلم أبا حنيفة في أمر القضاء وهو يقول : اتق اللّه ، ولا ترع أمانتك إلا من يخاف اللّه ، واللّه ؛ ما أنا مأمون في حال الرضا ، فكيف في الغضب ؟ ! ولك حاشية يحتاجون إلى من يكرمهم لك ، ولا أصلح لذلك ، فقال له : كذبت ، أنت تصلح ، قال : قد حكمت لي على نفسك ، فكيف يحل لك أن تولي قاضيا على أمانتك وهو كذاب ؟ ! وقيل : إنه لما ألح عليه وتهدد بالضرب . . قبل ، فقعد في القضاء يومين لم يأته أحد ، فأتاه في اليوم الثالث صفار يدعي على آخر درهمين وأربعة دوانق ثمن تور صفر « 1 » ، فقال أبو حنيفة : اتق اللّه وانظر فيما يقول الصفار ، فقال : ليس له علي شيء ، فلما رآه مقدما على اليمين . . أخرج أبو حنيفة من كمه درهمين ثقيلين وقال للصفار : هذا عوض ما تقول لك عليه ، ثم اشتكى أبو حنيفة بعد يومين ، فمرض ستة أيام ، ومات ساجدا سنة خمسين ومائة .
--> ( 1 ) أي : وعاء من نحاس .